السيد محمد الصدر
69
تاريخ الغيبة الصغرى
ولو غضضنا النظر عن ذلك ، لم نجد أن سكناه المدينة مناف للقواعد العامة التي عرفناها . . سواء أخذنا بأطروحة خفاء الشخص أو بأطروحة خفاء العنوان . أما على أطروحة خفاء الشخص ، فمن الممكن أن نفترض سكناه حال خفائه في المدينة نفسها ، بدون لزوم أي إشكال أو صعوبة . وأما على أطروحة خفاء العنوان ، فينبغي أن نخص هذه السكنى بما إذا لم تستلزم انكشاف أمره أو التفات الناس إلى سره . لما سبق أن عرفناه من أن سكناه المتطاولة في البلد الواحد يكون مظنة لذلك . فلا بد أن نفترض انه يعود إلى سكناها بين جيل وجيل أو نحو ذلك ، بحيث لو راجعنا المعدل العام لزمان الغيبة الكبرى ، رأينا مكانه الأغلب هو المدينة المنورة . وقد سبق أن عرفنا أن مثل هذا الأسلوب في سكنى المدن لا يكون مظنة للانكشاف . ولعل هذا الأنسب بحال المهدي ( ع ) واتجاهه ، من حيث أنه يود مجاورة قبر جده الأعظم رسول الإنسانية ( ص ) ، والقرب إلى مكان الحج ليتسنى له القيام به كل عام . وبخاصة وإن أغلب سكان المدينة المنورة في أغلب أجيال التاريخ الإسلامي ، إن لم يكن كلها ، من المنكرين لوجوده أصلا . . وهو مما يسهل له الحفاظ على خفاء عنوانه ودوام غيبته . النقطة الثانية : فيما تختلف فيه الروايتان من المضمون ، حول أن المهدي ( ع ) هل يعاشر بعض الناس أولا . وعند الموازنة بين الأمرين ، لا بد من عرضهما على القواعد العامة التي عرفناها . وسوف تختلف نتيجة الموازنة طبقا للأطروحتين الرئيسيتين السابقتين : أما لو أخذنا بأطروحة خفاء الشخص ، فسوف يرجح الأخذ برواية المفضل بن عمر . وإن لم تكن مطابقة لها تماما لدلالة الرواية على انكشاف المهدي ( ع ) للمولى الذي يلي أمره ، وهو ينافي الالتزام الكامل بهذه الأطروحة . وأما لو أخذنا بأطروحة خفاء العنوان ، فسوف يرجح الأخذ برواية أبي بصير ، وإن لم تكن مطابقة لها تماما لدلالة الرواية على انحصار العارفين بالمهدي ( ع ) والمعاشرين له بثلاثين ، في كل جيل ، بحيث لولاهم لكان في وحدة موحشة .